أخبار

حين يصبح الملاذ هو العاصفة

حين يصبح الملاذ هو العاصفة

حين يصبح الملاذ هو العاصفة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)

​لطالما آمنتُ، وبكل ما أوتيتُ من براءة العاطفة، أنك الميناء الوحيد الذي ترسو عليه سفني المتعبة كلما عصفت بي رياح الحياة. كنتُ آتي إليك مثقلاً بالندوب، حاملاً على كاهلي أوزار الخيبات التي ذقتها في هذا العالم الواسع والموحش. كنتُ أهرعُ نحوك كما يفرُّ الطريدُ إلى حماه، وكما يهرعُ الغريقُ إلى بصيص ضوءٍ يلوح له من بعيد، ظنّاً مني أنَّ في رحابك ينتهي وجعي، وتحت ظلالك تستكينُ روحي القلقة.
​كنتُ أرى فيك الفضاء الذي يتسع لضيقي، والسكينة التي تروي عطش قلقي من سوء العالم وقسوته. لقد كنتُ أهربُ من جفاء القلوب، ومن زيف الوجوه، ومن ضجيج الصراعات المنهكة، لأرمي بكل ثقلي في كنفك، معتقداً أنك الحصن المنيع الذي لن يقتحمه أذى، والوطن الذي لا يُظلم فيه أحد. كنتُ أبثُّك لوعتي من سوء الأيام، وأشكو لك مرارة ما ألقاه في دروب البشر، ولم يدر بخلدي يوماً، ولا حتى في أكثر أحلامي سوداوية، أنني كنتُ أستجيرُ من الرمضاء بالنار.
​يا لَفجيعة الاكتشاف المتأخر! ويا لمرارة الإدراك الذي جاء بعد فوات الأوان. لقد كنتُ أجهلُ تماماً أنَّ القدر يخبئ لي في نهايات السبل حقيقةً موجعة تفوق في قسوتها كل ما هربتُ منه. لم أكن أدري أنَّ ذلك الحضن الذي ظننته أماناً سيتجمد ليصبح قيداً، وأنَّ تلك العينين اللتين رأيت فيهما جنتي ستتحولان إلى مرآةٍ تعكسُ أسوأ كوابيسي.
​لقد تكشفت الحجبُ، وبان المستورُ، فإذا بي أجد نفسي لم أصل إلى شاطئ النجاة، بل غرقتُ في محيطٍ من الخذلان لا قرار له. إنَّ المصيبة الكبرى لم تكن فيما فعله العالم بي، بل في أنك أنت الذي كنتَ مَهربي قد غدوتَ في نهاية المطاف تمثلُ لي كل سوء هذا العالم مجتمعاً في كيانٍ واحد. لقد أصبحتَ أنت الخيبة، وأنت الألم، وأنت العالم السيئ الذي كنتُ أحاولُ جاهداً أن أنجو منه بفراري إليك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى